تقرير تحليلي
أولًا: خلفية وسياق
تُعد محافظة مأرب أحد أبرز مراكز الاستجابة الإنسانية في اليمن، حيث تستضيف النسبة الأكبر من النازحين داخليًا، ما جعلها محورًا للعمل الإنساني، وفي الوقت ذاته مساحة ضاغطة على الموارد والخدمات.
ورغم هذا الثقل الإنساني، لا يزال حضور الإعلام الإنساني دون المستوى المطلوب، سواء من حيث التأثير أو الاستمرارية، الأمر الذي ينعكس على حجم الدعم الدولي، ومستوى الوعي العام بحجم الأزمة.
يستند هذا التقرير التحليلي إلى مداولات ومخرجات ندوة افتراضية نظمها مركز الإعلام الإنساني (HMC)، بمشاركة إعلاميين وممثلين عن الجهات الرسمية والمجتمع المدني، خُصصت لمناقشة واقع الإعلام الإنساني في مأرب والتنسيق مع الجهات المعنية، باعتبارها مساحة تشخيصية للواقع أكثر من كونها حدثًا إعلاميًا.
ثانيًا: الإشكالية المركزية
تكشف التجربة الميدانية، وما طُرح في النقاشات، عن وجود فجوة تنسيق وثقة بين الإعلاميين والجهات الرسمية المعنية بالشأن الإنساني.
ولا تنبع هذه الفجوة من غياب الرغبة في التعاون، بل من:
تشتت الأدوار والمسؤوليات.
غياب آليات مؤسسية واضحة للتنسيق.
محدودية الوصول المنظم للمعلومة.
تفاوت الفهم حول معايير الإعلام الإنساني.
وتؤدي هذه الفجوة إلى إضعاف التغطية الإعلامية الإنسانية، وتقليص أثرها في المناصرة وجذب الدعم.
ثالثًا: واقع الإعلام الإنساني في مأرب
يعمل الإعلام الإنساني في مأرب ضمن بيئة معقدة، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية، الإدارية، والاجتماعية.
وقد أظهرت المداولات أن التحديات لا تقتصر على القيود المفروضة على العمل الميداني، بل تمتد إلى:
ضعف البيانات الإنسانية الموثقة والمتاحة.
حساسية التعامل مع ملفات النزوح والانتهاكات.
غياب دليل إجرائي يوضح العلاقة بين الإعلام والجهات الرسمية.
في المقابل، لا يمكن إغفال وجود ممارسات إعلامية تفتقر أحيانًا إلى الالتزام الكامل بالمعايير الأخلاقية، ما يعمّق حذر الجهات الرسمية.
رابعًا: فجوات التنسيق المؤسسي
1. فجوة تنظيمية
غياب غرفة تنسيق دائمة تجمع الإعلاميين والجهات الرسمية.
عدم وجود إطار مرجعي موحد ينظم العمل الإعلامي الإنساني.
2. فجوة معلوماتية
شح البيانات الرسمية المحدثة حول أوضاع النازحين.
ضعف التوثيق المؤسسي للحالات الإنسانية والانتهاكات.
اعتماد الإعلام على مصادر غير مكتملة أو غير رسمية.
3. فجوة ثقة
تراكم تجارب منع أو تقييد غير مفسر للإعلاميين.
تخوف رسمي من سوء استخدام المحتوى الإعلامي.
غياب قنوات تواصل مباشرة ومستدامة.
خامسًا: الاعتبارات الأخلاقية ودور الإعلام
أبرزت النقاشات الحاجة الملحّة إلى إطار أخلاقي واضح للإعلام الإنساني، يوازن بين:
حق الجمهور في المعرفة.
كرامة وخصوصية النازحين.
متطلبات العمل الإنساني الآمن.
ويُنظر إلى الإعلام هنا كـ فاعل إنساني وشريك في الحماية والمناصرة، لا مجرد ناقل محايد للأحداث، وهو ما يتطلب تأهيلًا مهنيًا، ووصولًا منظمًا للمعلومة، وشراكة قائمة على الثقة.
سادسًا: فرص التحسين ومسارات الحل
رغم التحديات، يتيح الواقع فرصًا عملية لتحسين بيئة الإعلام الإنساني، أبرزها:
وجود مؤسسات محلية متخصصة مثل مركز الإعلام الإنساني.
استعداد نسبي لدى الجهات الرسمية للانفتاح والتنسيق.
إدراك متزايد لأهمية الخطاب الإنساني المهني.
حاجة إنسانية ملحّة تفرض توحيد الجهود بدل تشتيتها.
سابعًا: توصيات تحليلية
استنادًا إلى التحليل والمداولات، يوصي التقرير بـ:
إنشاء غرفة تنسيق مشتركة دائمة بين الإعلاميين والجهات الرسمية.
إعداد ميثاق شرف للإعلام الإنساني يضمن كرامة المستفيدين وخصوصيتهم.
وضع آليات واضحة لتبادل البيانات والمعلومات الإنسانية.
تدريب الإعلاميين على معايير الإعلام الإنساني والقانون الدولي الإنساني.
توثيق الحالات الإنسانية والانتهاكات بشكل مؤسسي ومنهجي.
إطلاق حملات إعلامية إنسانية منسقة لتعزيز المناصرة وجذب الدعم.
تعزيز الشفافية والانفتاح لبناء الثقة بين مختلف الأطراف.
ثامنًا: خلاصة
يُظهر واقع الإعلام الإنساني في محافظة مأرب أن التحدي لا يكمن في نقص التغطية فقط، بل في غياب الحوكمة والتنسيق المؤسسي.
إن معالجة فجوات التنسيق بين الإعلام والجهات الرسمية تمثل مدخلًا أساسيًا لتعزيز الاستجابة الإنسانية، وضمان وصول صوت النازحين بكرامة ومسؤولية إلى الرأي العام وصنّاع القرار.



