تقرير إنساني تحليلي
أولًا: السياق العام
تواجه النساء في محافظة مأرب، كما في بقية مناطق اليمن، تحديات مركبة ناتجة عن سنوات من النزاع المسلح، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وضعف منظومات الحماية الاجتماعية. وقد أدى هذا الواقع إلى اتساع فجوات الحماية، وازدياد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، سواء داخل الأسرة أو في المجال العام، في ظل محدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وضعف آليات المساءلة والدعم النفسي والقانوني.
ضمن هذا السياق، جاءت ورشة العمل التي نفذها مركز الإعلام الإنساني بالشراكة مع فرع اللجنة الوطنية للمرأة، كمساحة تحليلية لتشخيص واقع الحماية، والاستماع إلى أصوات فاعلين محليين، وإعلاميين، وناشطين، بهدف فهم أعمق للفجوات القائمة وفرص التدخل الممكنة.
ثانيًا: مظاهر فجوات الحماية أظهرت النقاشات أن فجوات حماية النساء في مأرب لا تقتصر على جانب واحد، بل تتوزع على عدة مستويات متداخلة:
فجوات مؤسسية:
ضعف التنسيق بين الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، ومحدودية الموارد المخصصة لبرامج حماية النساء، إضافة إلى قصور في تفعيل القوانين والإجراءات ذات الصلة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي.
فجوات مجتمعية وثقافية:
استمرار بعض الأعراف الاجتماعية التي تبرر العنف أو تقلل من خطورته، ووصم الناجيات، ما يدفع العديد من النساء إلى الصمت وعدم الإبلاغ، خوفًا من التبعات الاجتماعية.
فجوات خدمية:
نقص خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، والإرشاد القانوني، ومحدودية مراكز الإيواء الآمنة، خصوصًا للنساء النازحات أو المعيلات للأسر.
فجوات إعلامية:
غياب خطاب إعلامي مستدام يركز على قضايا النساء من منظور حقوقي وإنساني، مقابل هيمنة المعالجة السطحية أو الموسمية المرتبطة بالحملات فقط.
ثالثًا: الفئات الأكثر تأثرًا
تشير المعطيات الميدانية إلى أن بعض الفئات النسائية أكثر عرضة لانتهاكات الحماية، أبرزهن:
النساء النازحات نتيجة النزاع أو الكوارث المناخية.
النساء المعيلات للأسر في ظل فقدان مصادر الدخل.
الفتيات القاصرات، لا سيما في ما يتعلق بالزواج المبكر والعنف الأسري.
النساء ذوات الإعاقة، اللواتي يواجهن تهميشًا مضاعفًا في الوصول إلى الخدمات.
رابعًا: الإعلام كأداة حماية وتغيير
برز خلال الورشة إجماع على الدور المحوري للإعلام في سد جزء من فجوات الحماية، ليس فقط عبر نقل القصص، بل من خلال:
إعادة صياغة السرديات المرتبطة بالمرأة بعيدًا عن الصور النمطية.
تسليط الضوء على العنف كقضية مجتمعية لا شأنًا خاصًا.
دعم أصوات النساء وتمكينهن من التعبير الآمن عن قضاياهن.
تعزيز ثقافة المساءلة والوعي بالحقوق.
ويُنظر إلى الإعلام هنا كفاعل إنساني وشريك في الحماية، وليس مجرد ناقل للمعلومة.
خامسًا: فرص التغيير المجتمعي
رغم عمق التحديات، أظهرت النقاشات وجود فرص حقيقية للتغيير، من أبرزها:
توفر كوادر محلية مؤهلة في المجتمع يمكن الاستثمار في قدراتها.
استعداد منظمات المجتمع المدني للعمل التشاركي في قضايا الحماية.
تنامي وعي إعلامي وشبابي بأهمية مناهضة العنف ضد المرأة.
وجود أطر وطنية ومبادرات يمكن البناء عليها إذا ما فُعّلت بشكل فعّال.
سادسًا: فجوة الانتقال من النقاش إلى الفعل:
أحد التحديات المركزية التي تم رصدها هو الفجوة بين النقاشات النظرية والتطبيق العملي. إذ غالبًا ما تتكرر التشخيصات دون أن تُترجم إلى برامج مستدامة أو سياسات واضحة، ما يستدعي دعمًا موجهًا لتحويل التوصيات إلى تدخلات ملموسة، ذات أثر طويل الأمد.
سابعًا: توصيات إنسانية تحليلية:
استنادًا إلى ما سبق، يوصي التقرير بما يلي:
دعم برامج حماية متكاملة تراعي البعد النفسي، القانوني، والاجتماعي.
تمويل مبادرات إعلامية مستدامة تعالج قضايا النساء من منظور حقوقي.
تعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية والمنظمات المحلية والدولية.
الاستثمار في بناء قدرات الكوادر المحلية العاملة في قضايا المرأة.
إدماج أصوات النساء في تصميم وتنفيذ برامج الحماية.
ثامنًا: خلاصة
تكشف فجوات حماية النساء في مأرب عن أزمة حماية تتجاوز كونها قضية نسوية، لتصبح قضية إنسانية ومجتمعية شاملة. إن معالجة هذه الفجوات تتطلب مقاربة تكاملية، تشارك فيها المؤسسات، والمجتمع، والإعلام، بدعم جاد ومستدام من الجهات المانحة، لضمان أن تعيش النساء في بيئة أكثر أمانًا وكرامة، بوصفهن ركيزة أساسية في بناء المجتمع وتعافيه.